المطبخ العراقي

 

 

             أ.د . سالم صالح حسين التميمي                                   رنا فاضل عباس الجنابي

رئيس قسم الاقتصاد المنزلي/كلية لتربية للبنات                          ماجستير اقتصاد منزلي

                            جامعة بغداد                                                 مركز البحوث النفسية

                                                   

 

     تختلف الأنماط الغذائية في مختلف أنحاء العالم  ويرجع هذا الاختلاف في الانماط الغذائية الى الاختلاف في العادات الغذائية والتقاليد السائدة في كل مجتمع ، وكذلك الى الاختلاف في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية فضلا عن الاختلاف في الطبيعة الجغرافية.  حيث ساعدت العوامل الجغرافية كالمناخ والموقع الجغرافي وخصوبة التربة على تحديد غذاء الانسان واختياراته الغذائية على مدى التاريخ. حيث اعتمد سكان العراق في غذائهم ومنذ القدم على الزراعة وتربية المواشي، ويستدل من رقم الطين والاثار التي خلفها لنا الانسان في العراق على ان اهتداء الانسان الى الزراعة كان بحدود الالف التاسع قبل الميلاد. ويبدو ان المحاصيل الزراعية في العراق القديم لم تكن تختلف كثيرا عن محاصيله في الوقت الحاضر ،ويأتي في مقدمة الاشجار ذات الاهمية الاقتصادية في تاريخ العراق شجرة النخيل التي عرفها العراقيون القدماء منذ اقدم تاريخ استيطانهم في المنطقة،فقد كانوا يقدسون النخلة وعدوها شجرة الحياة لان منها ماكلهم وملبسهم ومسكنهم حيث استفادوا من تمرها للتغذية وصنعوا منه العصير وخمروه لصناعة الخمر،والى جانب اشجار النخيل هناك اشجار التين والكروم والرمان والتفاح والفستق واللوز وغيرها. كما عرفوا زراعة الزيتون والاستفادة من ثمره وزيته الى ابعد حدود، اما زراعة الحبوب فياتي في مقدمتها الشعير الذي كان يعتبر غذاء ا  أساسيا للانسان والحيوان وياتي بعده في الاهمية القمح  وصنعوا الخبز من هذه الحبوب كما عرفوا زراعة الدخن والذرة والسمسم وكانت المخضرات تزرع قريبا من الانهار والجداول والقنوات، وكانت طرق اعدادهم للطعام سهلة وبسيطة فلم يكن هناك مطبخا بل كان هناك موقدا للنار يعدون فيه طعامهم ، ثم بدأت تتطور طرق إعدادهم للطعام فعرفوا صناعة اللبن والزبد والدهن من حليب الحيوانات وبدأوا استخدام طرق جديدة لحفظ الغذاء كالتجفيف والتمليح ودفنها في الثلج لكي يوفروا طعاما لأيام لا يتوفر فيها لان  الغذاء هو الحياة وهو وسيلة البقاء لديهم. ولقد استوطن سكان العراق ومنذ القدم في الاقسام الوسطى والجنوبية من العراق ( السهل الرسوبي)  والتي تمثل في تاريخ العراق القديم  ( بلاد سومر واكد وبلاد بابل ) حول مجرى نهري دجلة والفرات والجداول المتفرعة منهما ،وياخذ التوزيع السكاني نمطا خطيا مع امتداد هذه الانهار والجداول كذلك نجدهم قد توزعوا في الوديان والسفوح البسيطة وعند موارد المياه في شمال العراق والتي تمثل قديما (بلاد اشور) ،كما توزعوا عند الابار والواحات في الهضبة الغربية.وللأنهار وروافدها وفروعها وما يتصل بها من منخفضات واهوار ومستنقعات في جنوب العراق ،من اهمية بالغة فلولا مياه الانهار لاصبح القطر صحراء قاحلة وبفضل هذه الانهار اصبح العراق بلدا زراعيا منذ قرون طويلة وفضلا عن ذلك فان المسطحات  المائية  ( الاهوار والمستنقعات ) تحوي ثروة سمكية  مهمة أصبحت  غذاء رئيسيا لمجموعات كبيرة من السكان  وتعد مناطق جيدة لتربية الجاموس الذي يعتمد سكان لاهوار وقسم كبير من سكان العراق على بعض منتجاته ، كما تعتبر مناطق سياحية  بسبب جمال مناظرها الطبيعية واعتدال مناخها .  ويتباين النمط الغذائي في المجتمع العراقي اعتمادا على طبقاته وشرائحه المختلفة حيث يمكن تمييز اربعة شرائح اجتماعية في المجتمع العراقي هم: سكان البدو، العشائر المتوطنة، سكان الريف، سكان المدينة.   ويكاد ينحصر غذاء اهل  البدو (سكان البادية ) الذين يسكنون المناطق  الغربية الصحراوية من العراق في مادتين أساسيتين هما التمر وحليب النوق (الجمال)  ولا يدخل اللحم  والخضر والفواكه في غذائهم  ألا ما ندر. حيث ان التمر والحليب يكونان غذاء صحيا ومتكامل لاحتوائه على نسبة عالية من السكريات تقدر بنحو 70% وكذلك غناه بفيتامين  وعنصر الحديد وكميات وفيرة من الكالسيوم والفسفور وايضا يحتوي على كمية قليلة من البروتين ونسبة محدودة من الدهن ،  اما الحليب فيحتوي وحده على عناصر الغذاء الكامل جميعها  حيث يجهزهم بالبروتين والدهون والسكريات والفيتامينات والاملاح المعدنية الضرورية  التي يحتاجها الجسم. و لسهولة وبساطة حياتهم وغذائهم  فطريقة اعدادهم للطعام  بسيطة وخالية من اية تعقيدات. والمطبخ بالنسبة لهم عبارة عن موقدا للنار خارج الخيمة او داخلها يعد عليه الطعام ويستعمل للتدفئة في ايام الشتاء القارصة الباردة.  اما سكان العشائر المتوطنة  في العراق فيدخل الخبز في غذائهم اليومي حيث يعدون الخبز في افران خاصة تسمى ( التنور) وهو عبارة عن فرن  يصنع  من الطين يدهن بالطين على الجانبين الداخلي والخارجي. يوقد بواسطة الحطب والفحم فتتجمع الحرارة الشديدة في الداخل وعندما يخبز الخبز في التنور تضرب العجينة على الجانب الداخلي للفرن وعندما تتشكل الفقاقيع التي هي مسألة  عدة ثواني ينضج الخبز وليست هناك حاجة لقلب الرغيف. كما يدخل في غذائهم منتجات حيواناتهم الاليفة الداجنة كالحليب واللبن الرائب والزبد والدهن والبيض ويعتبر غذائهم ذو مصدر حيواني اكثر منه نباتيا فلاتشكل الخضراوات والفواكه نسبة تذكر في غذائهم ، كذلك فان استهلاكهم للحوم قليلا باستثناء المناطق القريبة من الانهار والاهوار حيث يتم اصطياد الاسماك والطيور المائية  .  وعموما فان هناك مطبخا بسيطا عبارة عن ركن بسيط في المنزل يعد فيه الطعام يفتقر للوسائل الحديثة ومستلزماتها لكنه يفي بالغرض  على ادنى متطلباته ، اما سكان الريف فيعتمدون  في غذائهم على محاصيلهم الزراعية المتنوعة كالحنطة والشعير اللذان يستخدمانها في صناعة الخبز، ويعد الخبز الأسمر عماد الغذاء اليومي لأهل الريف في العراق بالاضافة الى انواع البقوليات كالحمص ،العدس، اللوبيا ، الباقلاء ،الهرطمان ، والرز والماش.حيث تمتاز هذه الاغذية بمحتواها العالي من المواد النشوية وانخفاض مستوى المواد البروتينية والفيتامينات والاملاح المعدنية، وتعمل منها اطباق شهية من شوربة (حساء ) العدس وشوربة الماش ومرقة الباقلاء و مرقة اللوبيا ، اضافة الى اللحوم والدواجن والبيض والحليب. لذلك يظهر لنا بان سكان الريف هم افضل في غذائهم وحصولهم على  العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم من سكان البدو والعشائر المتوطنة . لذلك نرى ان اهتمامهم بالمطبخ اكثر من حيث تخصيص مكان خاص له يحوي على مستلزمات بسيطة  او متوافقة لاعداد الطعام مقارنة بالحديثة. اما سكان المدينة فهم اكثر تطورا واكثر اهتماما بمطبخهم من الشرائح السكانية السابقة، فتمثل المصادر الحيوانية كاللحوم والدجاج والاسماك والبيض نسبة عالية مما ينفقه على الغذاء تاتي بعدها الخضراوات والفواكه والمصادر النباتية، لذلك يعتبر سكان المدينة هو غذاء متكامل بما يحويه من العناصر الغذائية وبما يوفره للجسم من صحة وسلامة. وان  كل العرب والمسلمين في مختلف بقاع العالم لديهم انماط غذائية تكاد تكون واحدة وذلك لخضوعها لقوانين الشريعة الاسلامية ، فالمسلمين لديهم بعض التحفظات تجاه بعض الأغذية مثلا يمكنهم تناول اللحوم مثل لحم البقر والغنم والماعز وكذلك الدواجن شرط ان هذه الحيوانات قد تم ذبحها وفق الشريعة الإسلامية، وكذلك يتناولون الأسماك ، فيما عدا لحم الخنزير حيث يكون محرما تناوله بمنتجاته الغذائية كافة وفقا للشريعة الإسلامية.

 والغذاء ظاهرة اجتماعية بقدر ماهي غذائية ،فالمواد الغذائية التي تستهلك في كل مجتمع وطريقة تحضيرها وتناولها وتأثير التقاليد والمناسبات والشعائر تعكس القيم الثقافية السائدة في المجتمع . والمطبخ العراقي يمتاز بطابع خاص جعله فريد من نوعه في المطبخ العالمي.

  وتعتبر اللحوم اول الاطعمة التي عرفها الانسان واهتم بها للذة طعمها، واللحوم  ضرورية لصحة الانسان واحيانا تصبح اساسية كما هو الحال في الاطفال الذين هم في دور النمو وكذلك الحوامل والمرضعات. حيث تحتوي اللحوم على افضل انواع البروتينات ذات القيمة الغذائية العالية التي يحتاجها الانسان في تكوينه وبنائة وايضا اللحوم غنية بالدهون والفيتامينات والمعادن. وتقسم اللحوم الى قسمين، اللحوم الحمراء وتشمل لحوم الابقار والاغنام والماعز والجاموس التي هي شرعا تستخدم ، واللحوم البيضاء مثل لحوم الاسماك والدجاج. ويستخدم  فخذ اللحم في المطبخ العراقي لعمل اطباق شهية من اللحم المشوي (التكه) والكباب المشوي الذي يقدم مع الخضر كالرشاد والكراث والنعناع ، فضلا عن اطباق شهية من حساء اللحم (التشريب).  في حين تستعمل الكوارع (الأرجل ) والرأس لعمل (الباجة)  التي تقدم مع خبز التنور الحار والبصل الاخضر والروب  ( اللبن الرائب)                 و المخللات ( الطرشي )  والفلفل الاخضر. ويستعمل اللحم غالبا مع الخضر لعمل اطباق شهية من المحشوات مثل دولمة اللحم ( البغدادية ) التي تعتبر من الأصناف الشائعة في بلدنا و وتحتوي على قيمة غذائية عالية تبعا للمواد المستعملة فيها وتستعمل انواع عديدة من الخضر في عمل "الدولمة " واهمها الخضر التي تحفر ولاتقشر كالبذنجان والطماطة والخيار والفلفل الاخضر، وتستعمل بعد غسلها ونزع اللب منها باستعمال المحفاره الخاصة وتملح. وتستعمل ايضا  في عمل "الدولمة " الخضر الورقية كورق العنب و ورق السلق والبصل بالاضافة الى الملح والبهارات.  وفي مناطق جنوب العراق مثل البصرة وميسان وغيرها يضاف الى ( حشوة الدولمة ) تمر الهند والسكر فيصبح طعمها حامض حلو  . اما بالنسبة لاستعمالات السمك والدجاج في المطبخ العراقي فتعمل منه  أطباق شهية من السمك المقلي و السمك المشوي  ويكون نوع السمك المشوي  ( صبور ) حيث تعمل حشوة ملونة من البصل والثوم والدبس والمعجون ( عصير الطماطة )  والكرفس توضع في بطن السمكة ويشوى بالتنورويؤكل مع طبق الرز المطبق المضاف اليه الدبس وقليل من السكر ، و هناك اطباق شهية من مرقة السمك التي تتكون من البصل المحموس مع الكزبرة والحلبة الخضراء ثم يقلى السمك ويوضع فوقها وبعدها  يمرق بالمعجون ويضاف اليه  ( نومي البصرة ) لاعطائها الحموضة و هناك اطباق اخرى من السمك المسقوف  التي تقدم  مع خبز التنور الحار والطرشي والسلطة كسلطة الخس والخيار والطماطة.  واطباق أخرى من الدجاج المشوي وحساء الدجاج.  وتشتهر  مناطق جنوب العراق  بـ ( مقلوبة السمك ) حيث يكون نوع السمك المستعمل فيها( زبيدي)  اضافة الى البصل والمكسرات كالكشمش واللوز والجوز توضع في قاع القدر بعد قلي السمك والبصل ويوضع فوقه الرز المطبوخ بالهيل والزعفران ويوضع على نار هادئة ثم يقلب في صينية ويؤكل مع مقلوبة  السمك     ( الدقوس ) وهو عبارة عن الطماطة والثوم والمعجون ( عصير الطماطة ) المتبل بالفلفل الاحمر ثم توضع على نار هادئة ،و (الدقوس ) معروف ايضا في منطة الخليج.  ا ما بالنسبة للحبوب فتستهلك بكميات كبيرة وخاصة الرز وتدخل في كل  وجبة غذائية ،وينتج في العراق نوع من افضل انواع الرز في العالم وهو النوع المسمى (العنبر) الذي يمتاز بنسبة البروتين العالية فيه وبرائحته وطعمه ولونه وحبته الكبيرة وبالإضافة الى العنبر فالعراق ينتج أنواعا أخرى مختلفة كالنعيمة والحويزاوي وغيرها. ويعتبر الرز الطبق الرئيسي في الوجبة الغذائية ويرافق اطباق الرز التي تعد شيئا رئيسيا واساسيا في الوجبة الغذائية اطباق شهية ومتنوعة من المرق المعد من انواع عديدة من الخضراوات كالبامية والسبانخ والباذنجان والفاصوليا الخضراء المطبوخة مع اللحم باستخدام الدهن الحيواني او النباتي وتدخل الطماطة  عنصرا اساسيا في عمل المرق. والغرض من استعمال اللحم في انواع المرق وخاصة الخضر هو اعطاء النكهة والقيمة الغذائية وتتوقف كمية اللحم المستعملة في المرق على الرغبة والعادات الغذائية . اما الخبز الاسمر اوالصمون المصنوع  في  الغالب من دقيق الحنطة و الشعير فهو يمثل العنصر  الرئسي في الوجبة الغذائية ولايمكن الاستغناء عنه، ويلعب البصل والثوم دورا اساسيا في كل الطهي العراقي حيث يكون البصل والثوم المادة الاساسية لأظهار وتكملة نكهات البهارات وتكثيف المرق والصلصة. ومن الأكلات التي يشتهر بها المطبخ العراقي  أكلة ( البرياني ) التي تتكون من اللحم الذي يقطع ويقلى في الدهن ثم يضاف اليه البصل والثوم المفروم ويقلب معه حتى يحمر ،ويضاف الرز المطبق الى مزيج اللحم والبهارات وتترك على نار هادئة ، ثم تقلب أو تصب في صحن وتقدم حارة.كما يشتهر المطبخ العراقي بأطباق الكبة الموصلية الفاخرة التي تعتبر من أشهى والذ  الأطباق التي تقدم للعائلة او الضيوف في المآدب والحفلات، وتتكون من اللحم والبصل والبرغل واللوز والكشمش والملح والبهارات مثل الفلفل الاسود والقرفة.وتوجد انواع اخرى من البهارات التي يتوقف استعمالها على الذوق الخاص والرغبة والوصفات وجميعها تعطي النكهة والطعم. اضافة الى ( الكيبايات ) المعروفة في الموصل واطرافها  وتعمل من الكرشة  وتحشى بالرز واللحم والثوم او تحشى بالبرغل واللحم حسب الرغبة واطباق اخرى من ( البرما )  والتي من اهم مكوناتها البقوليات كافة والبصل والبهارات وتوضع في قدر عميق ويطهى في التنور الطيني. واطباق اخرى من تبسي الباذنجان وعروق التنور التي تتكون من البرغل والجريش واللحم والبصل والبهارات وتوضع في صينية خاصة وتشوى بالتنور او بالفرن حسب الرغبة.  إضافة الى  اطباق كبة البطاطة ( بتيتة جاب ) .

 اما اطباق الحلوى والمعجنات فهي كثيرة ومتنوعة  في المطبخ العراقي مثل حلاوة التمر،الرز ، الجزر ، وحلاوة ( نهر خوز )  المعروفة في منطقة  ( ابي الخصيب )   حيث تصنع من الدبس والراشي  و اطباق اخرى من المحلبي المعد من النشا والحليب والسكر ، و اطباق الكاستر .  اما اشهر المعجنات في المطبخ العراقي فهي  (الكليجة ) التي تعتبر من اشهى والذ العجائن التي تقدم للعائلة او الضيوف في المآدب وشهر رمضان المبارك وعيد الفطر وعيد الاضحى المبارك. التي تقدم مع شاي المهيل . فالمطبخ العراقي زاخر بانواع الاغذية كافة والوانها الجذابة والفاتحة للشهية والغنية بالعناصر لغذائية الضرورية للجسم .. فتناول طعام جيد هو متعة حقيقية والشخص الذي لايستطيع الاستمتاع بتناول الطعام الجيد فأنه نادرا ما يستطيع الاستمتاع بأي شئ جيد وجميل. ويتصف الشعب العراقي كباقي الشعوب العربية بحسن الضيافة والكرم والجود