السلام _ سبيل للآمن النفسي
د. مظفر جواد احمد
مركز البحوث النفسية
يتوق الانسان بفطرته إلى السلام - اننا تنفقد البصيرة والرؤية الواضحة للسلام في عالم يسوده الغضب والحزن ، نحاول ان البحث عن السلام في انفسنا، لانجده، حتى الطبيعة تاثرت بأنعدام السلام ( التلوث البيئي، الصخب، ازدحام الطرق، اصوات السيارات، صراخ الغضب ) حتى الليل، خسرنا صفوة وهدوئه، نعود إلى بيوتنا نلتمس السكون والهدوء، نفتح اجهزة التلفاز لنرى كوارث ومصائب وحروب تملأ العالم، حتى الافلام والمسلسلات مليئة بالعنف والقتل، تقلق حتى منامنا - الاخبار العالمية تحمل لنا انباء صرعات وحروب محلية او دولية اغلبها اتخذت طابعا دينيا، مذهبيا او عرقيا، تعطينا, شئنا أم أبينا , دوافع للثورة الثأر لما نؤمن به من عقيدة او مذهب. عنف قد يغير وجهة نظرنا، فينعكس على علاقتنا بجيراننا وزملائنا بالعمل واصدقائنا الذين ينتمون إلى معتقدات أخرى، فيتحول الحب إلى كره، والأمن إلى قلق وخوف وعنف، فنفتقد السلام ونفقد امننا النفسي.
في غياب خبرة التعامل مع السلام،اخذت الدول تبحث عنه من خلال عقد المؤتمرات والمعاهدات والمناقشات، فأنقلبت المفاهيم وظهرت مفاهيم جديدة مثل ( الحصول على السلام عن طريق الحرب ) وبدات الدول تستعد للحرب وتذهب إليها باسم السلام .
إذا اردنا ان نبحث عن السلام، علينا البحث عنه في اعماق انفسننا في فطرتنا التي فطرنا الله عليها فإذا ما فقدناه , فقدنا اهم حاجة نفسية وهي الامن النفسي . لقد تناولت العديد من النظريات والبحوث هذا الجانب الاساس من مكونات البناء النفسي للانسان ( الامن النفسي ) , منها( النظريات الانسانية) في علم النفس التي تولي اهتماما خاصا بالخبرة الشخصية التي يمر بها الافراد ومشاعرهم ومفاهيمهم الخاصة فضلا عن توجهاتهم نحو العالم والذات ، ومن النظريات التي تعد نموذج لهذه الفئة من النظريات، نظرية العالم النفسي ( ابراهام ماسلو) التي حاول فيها تفسير السلوك الانساني في ضوء الدوافع والحاجات النفسية .
صنف ماسلو الدوافع البشرية ونظمها بشكل هرمي متدرج مستندا على عدد من المسلمات منها:-
1. ان حاجات الانسان تنتظم بشكل هرمي متدرج يبدا في الحاجات فسيولوجية ثم الحاجة إلى الامن ، ثم الحاجة إلى الانتماء , ثم حاجات تقدير الذات , فحاجات تحقيق الذات , وصولا إلى الحاجة إلى المعرفة والجمال .

وهذا التدرج مبني على اساس ألحاح الحاجة من اجل الاشباع بمعنى ان الحاجات التي تاتي بالصداره هي التي تستحوذ على الانتباه الفرد وتقل بالتالي قدرة الحاجات الاخرى على جذب انتباهه ، ويعلق ماسلو على ذلك بكلماته التالية ( بالنسبة للانسان الجائع بصورة مزمنة و مفرطة ، تتحدد المدينة الفاضلة عنده صورة مكان يوجد فيه قدر وافر من الطعام ، وينزع الى التفكير بأنه اذا امن حاجته من الطعام باقي حياته ، سوف يكون سعيدا تماما ولن يحتاج لأي شىْ اخر . حتى الحياة نفسها قد تتحدد في ضوء الطعام ، واي شيْ عدا ذلك يعد غير هام ، فالحرية و الحب والشعور بالانتماء للمجتمع و الاحترام و الفلسفة ، قد تستبعد على اساس انها صنوف من الكماليات و البهرجة ن عديمة الفائدة لأنها تفشل في ملىْ المعدة )
2. يتطلع الفرد دائما للحصول على اشياء مختلفة ، ومن ثم لاتشبع الحاجات كاملة فما ان تشبع حاجة ، الا و تخفت اهميتها و تبرز بالتالي حاجة اخرى وهذه العملية مستمرة لاتنتهي ابدا ، والهدف منها جعل الفرد دائما في حالة تعبئة مستمرة من الطاقة .
3. لا تتوقف الحاجة بعد اشباعها عن دفع السلوك اذ يتحرك السلوك عندئذ بتأثير حاجات اخرى لم تشبع .
4. تتداخل الحاجات فيما بينها ، فما دامت الحاجة لا تختفي عندما تبرز حاجة اخرى فأن الحاجات لا تشبع الا جزئيا .
حدد ماسلو الحاجات الفسيولوجية بانها تلك التي تكفل بقاء الفرد مثل الحاجه الى الطعام و الشراب و الهواء و النوم ، والجنس و درجة حرارة معينة ، هذه الحاجات تتصدر قائمة الحاجات المختلفة في حالة عدم اشباعها . اذا بقيت حاجة واحدة منها بدون تحقيق او اشباع فأنها قد تسود و تسيطر على جميع الحاجات المتبقية .
وحدد ماسلو حاجات الامن بأنها تتمثل في رغبة الفرد في الحماية من الخطر التهديد والحرمان والتي قد تأخذ على سبيل المثال شكل الرغبة في الامن النفسي والاقتصادي والرغبة العقلية في وجود عالم منظم يمكن التنبؤ بأحواله .ان الامن النفسي يعني التحرر من الخوف – اي كان مصدره - . فألانسان يكون في حالة امن متى كان مطمأنا على صحته وعمله ومستقبله واولاده وحقوقه ومركزه الاجتماعي ، فأن حدث مايهدد ذلك او توقع الانسان هذا التهديد فقد شعوره بألامن .قد يؤدي احباط هذه الحاجة الى ان يصبح الفرد متوجسا هيابا من الاقدام والمغامرة والابتكار وتحمل العقبات ويبدو ذلك في صور شتى مثل الخوف والذعر والعجز عن ابداء الرأي والدفاع عن النفس ،او يبدو في صورة تحدي وعدوان . ان الخوف قرين للشعور بالنقص وضعف الثقة بالنفس كما يبدو انه صنو الكراهية ،فمن خاف من شيء كرهه
حدد ماسلو حاجات الحب والانتماء في رغبة الفرد في الانتماء والارتباط بالافراد الاخرين والقبول من جوانب الاقران ، ويظهر الحاح هذه الحاجة بعد ان يتم يتحقق الاشباع للحاجات الفسيولوجية وحاجات الامن السابقتين عليها في المدرج الهرمي لحاجات الانسان .يرى ماسلو ان الحياة الحضارية المتمدنة موحشة . وان تفكك الروابط التقليدية للاسرة واختفاء التفاعل الاجتماعي المباشر ( وجها لوجه ) وفقدان الانشطة اليومية في المدن الكبرى لطابعها الخاص الشخصي ، يتداخل كله مع اشباع حاجات الحب التي اذا ما اشبعت بشكل ما ، تسود حاجة الفرد لاحترام نفسه واحترام الاخرين له حيث يرغب الناس بالشعور بقيمتهم في المجتمع والعمل والمنزل .
حدد ماسلو حاجات تقدير الذات في الرغبة في تقدير الذات وتقدير الاخرين لها و يؤدي اشباع هذه الحاجات الى تولد الشعور بالقيمة والاقتدار ويؤدي عدم اشباعها الى الشعور بالدونيه والانحطاط .
ثم حدد ماسلو حاجات تحقيق الذات في رغبة الفرد في تحقيق طاقته وامكانياته الكامنة ، ويعبر عن هذا المعنى لتحقيق الذات بقوله ( ان يكون الفرد ما يستطيع ان يكون ) . ويعتمد تحقيق الذات ايضا على الفهم او المعرفة الواضحة لدى الفرد فلا بد ان يعرف الفرد ما يمكن ان يفعله قبل ان يعرف انه يفعله بكفائة واتقان . ان الانسان يسعى نحو تحقيق ذاته ويجاهد لتحقيق قدراته الكامنة ومثله العليا ، وقد اعتقد ماسلو ان حاجات تحقيق الذات (حاجات نمو) التي تحسن الحياة ولا تعمل فقط على الحفاظ عليها وتسود لدى شخصيات الاصحاء ، ومع ذلك ، ووفقا لما ذكره ، فأن حوالي 1% فقط من الاصل الاحصائي السكاني يحققون ذاتهم .
وجه ماسلو انتقاده الشديد لعلم النفس لأسهامه في التعامل مع ضعف الانسان بدلا من اهتمامه بجوانب قوته ،
فدراسة الصراع والخوف والقلق والذنب والعداوة لم تتوازن مع دراسة الضحك والمرح والحب وقد وضع افتراضا اساسيا يقضي بأن للجنس البشري حاجة او دافع فطري الى تحقيق امكانياته فلديه ارادة حرة من اجل تحقيق سلامته وصحته ولديه دافع لتحقيق نمائه او تحقيق امكانياته الانسانية ويتكون النمو السوي والصحي في التعبير عن هذه الحاجة .
الانفعالات والدوافع
ان الصلة بين الانفعالات والدوافع صلة وثيق ومعقدة في نفس الوقت ، يرى جانيه(Janent ) ان الانفعال يحدث تغييرا غير متوقعا في البنية المادية او الاجتماعية ، حيث لا يستطيع الفرد ان يرضي دوافعه باسلوب ملائم او لا يكون لديه وقت كافي لذلك . ويرى كانن (Cannon ( ان الانفعال رد فعل طبيعي يصدر عن الفرد باسره لمواجهة الطوارئ واعداد الفرد للهرب او القتال , فوظيفة الانفعال تعبئة طاقة الفرد لتحقيق التكيف بينه وبين بيئته ، ويرى ايضا ان ادراك الموقف المثير للانفعال يؤدي الى تنبيه منطقة عصبية في وسط الدماغ تسمى (الهبيوثلاموس ) تنبيها شديدا ، يؤدي الى الشعور الانفعالي والتغيرات الجسمية في ان واحد ، ويرى ان هرمون ( الادرنالين ) يزداد افرازه في حالات الانفعال العنيف ، وهذه الزيادة لها نتائج ذات فائدة حيوية للفرد فهي تعينه على الهرب او القتال اذ تؤدي الى :
زيادة سرعة النبض وشدته
ارتفاع ضغط الدم
انقباض الاوعية الدموية التي في الجلد
انطلاق السكر المخزون في الكبد
زيادة عدد الكريات الحمراء
زيادة سرعة تخثر الدم
ان هذه التغيرات الفسيولوجية اذا لم يتم التعامل معها بشكل طبيعي عن طريق تفريغ الطاقة بالهجوم او الفرار سيؤدي الى خلل في كيمياء الجسم التي قد تؤدي ( اذا ما تكرر الحدث المؤدي للانفعال ) الى اضطرابات جسمية ، امراض (سايكوسوماتية ) مثل ضغط الدم العالي ، السكر ، التهاب القولون المزمن .... وتطول القائمة لتشمل حتى بعض الامراض السرطانية.
مبدا التوازن الهيموستاتي (Homotasis)
من المبادئ المقررة في علم الفسلجة ان كل كائن حي يميل الى الاحتفاظ بتوازنه الداخلي من تلقاء نفسه فأن حدث ما يخل هذا التوازن قام الجسم من تلقاء نفسه وبطريقة الية ، بالعمليات اللازمة لاستعادة توازنه . ان الفرد كثيرا ما يتدخل ليساعد في استعادة توازنه المختل ، فاختلال التوازن يؤثر ايضا في سلوك الفرد الخارجي . فان لم يفلح الكائن الحي في اصلاح ما اعتراه من اضطراب او تعويض ما اصابه من نقص ، اي الفشل في استعادة توازنه العضوي ، مرض وهلك ، ان الكثير من العلماء يرون ان مبدا استعادة التوازن لا تقتصر فقط على تفسير السلوك الصادر عن دوافع وحاجات فسلجية بل يصدق ايضا على تفسير السلوك الصادر عن دوافع وحاجات نفسية اجتماعية( فان واجه الانسان أي مهدد او مشكلة ظل في حالة توتر و ضيق حتى يحل ) .
يبدو ان العديد من الحوافز الاساسية تتبع النموذج المصور في الشكل 2 ، و تظهر الحاجة عندما تختلف حاجة الجسم بصورة دالة عن حالته المثلى، و يفترض ان المعيار المرجعي لتلك الحالة المثالية يحدد اما بالوراثة او بواسطة مجموعة من العوامل الوراثية و الخبرة معا و لاعادة التوازن تنشط الحاجة دافعا ما . و عندئذ يثير الدافع السلوك الذي يهدف الى اعادة حالة التوازن ، و يفترض هذا النموذج ان الدوافع تكون جزءا من الخطة العظمى للجسم للتنظيم الذاتي او الاتزان البدني.
ان الافراد في اي مجتمع كثيرا ما يبحثون عن القيم و المعتقدات و الاهداف و الخطط لتوجيه سلوكهم. و تشير الدراسات الى ان الافكار يمكن ان تثير الدافعية بصورة قوية، بل انها قد تتفوق في ذلك على الحوافز الاساسية.ان الحاجة الى الاتساق العقلي او المعرفي غالبا ما تستثير السلوك، و اذا ما تصارعت او تناقضت الجوانب المعرفية ( المعلومات او الافكار او المدركات ) يشعر الافراد بعدم الارتياح، و في نفس الوقت، يشعر بالدافعية نحو اختزال التنافر المعرفي ( القلق الناجم عن التعارض و التناقض ) . في مثل هذه الحالات يبحث الافراد عادة عن معلومات جديدة ، يغيرون سلوكهم او يبدلون اتجاهاتهم ، و قد وصف عالم النفس ليون فستنجر ثلاثة مآزق او مواقف عامة تنشط التنافر المعرفي و تستثير السلوك:
يحدث التنافر عندما لا تتناسق الجوانب المعرفية للشخص مع المعايير الاجتماعية .
ينشأ التنافر عندما يتوقع الفرد حدوث حدث ما و يقع اخر بدلا منه .
يحدث التنافر عندما يقوم الافراد بسلوك يختلف مع اتجاهاتهم العامة.
خاتمة
من خلال الاستعراض السابق نرى ان السلام يظهر في كل مستوى من مستويات الحاجات و الدوافع ، فالنقص بحاجات الانسان الاساسية من طعام و شراب تؤدي الى الخوف و القلق و الغضب فالثورة على كل القيم التي تعوق هذه الحاجة، كذلك تظهر الحاجة الى السلام في المستوى الاخر، مستوى الامن النفسي، عندما يشعر الفرد بتهديد لكيانه الحياتي و كيان عائلته نتيجة الحروب ( محلية كانت ام عالمية ) فقد الاحساس بالامن النفسي. و على المستوى الثالث، عندما يفقد الانسان السلام و الامن النفسي فانه سيحاول البحث عن انتماءات جديدة تكفل له او تحاول ان تكفل له الامان مما قد يفرض عليه التزامات جديدة تدخله في حلقة مفرغة من الحيرة بين الولاء للمجموعة التي ينتمي اليها لتحميه و معتقداته و ايمانه الشخصي الذي قد يناقض بأفكاره ما يؤمن به , و عندها ينشأ الصراع النفسي الذي قد يؤدي الى اختلالات جسمية و نفسية . كذلك نحن نحتاج للسلام لتحقيق تقديرنا لذواتنا و توفير حاجاتنا للاحترام و القبول و الاستحسان.
نحن لا نستطيع ان نحقق ذواتنا و نبدع و ننجز في مجالات المعرفة المختلفة دون سلام.ان طريق السلام يبدأ في قلوب الناس و عقولهم، عندما يملأ قلب الانسان و عقله بالسلام يشعر بمشاعر جميلة رائعة ترتقي بأفكاره و يرتقي بأفكار الاخرين، بهذه النظرة المتفائلة يستطيع ان يرى انبثاق عالم جديد ملئ بالسلام و السعادة.