قلت "لا" شرقية فخسرت عشاءا غربياً*

 

أ.د. الحارث عبد الحميد حسن

استشاري الطب النفسي

 

نشرت في مجلة المعرفة السعودية – تموز 2004   

       

لقد عودتنا "المعرفة" أن تتحرش بجهاز الذاكرة فينا تارة، أو أن تدغدغ مشاعرنا وجوانينتنا تارة آخرى00 بشفافية ورقة ووداعة، ولكن بحزم وقوة وابداع00

        ُمذ كنت صغيرا وكلمة الـ " لا " والـ " نعم "  تحتلان مكاناً في عقلي وقلبي ومشاعري. سمعتُ الـ " لا "  من أبي وأمي ومن ربي ومعلمي00 ومن ثم سمعتها من المطربة المشهورة " احلام وهبي"  في ستينات القرن العشرين! كانت " لا " في أغنيتها المشهورة : " إي " لو " لا "  تهز وجدان الناس وتحرك مشاعرهم ، انها : الموت أو الحياة، الحب أو الكراهية، أن أكون أو لا أكون. كان أبي يحدثني عن مجريات الأحداث السياسية في العراق أبان النصف الأول من القرن العشرين00! نائب في مجلس الأعيان 00يرفع يده موافقا على قرار يتخذه المجلس. وهو نائم!!! يده فقط ترتفع بالموافقة 00 "نعم" ونائب معارض آخر ترتفع يده بعدم الموافقة00 " لا " وهو يتحدث مع زميل له عند جلسة ممتعه أو ليلة حمراء00!!00 هكذا كانت تصان الكرامة00 وهكذا كانت تتخذ القرارات من أجل الحقوق00!! هكذا كانت تسن القوانين، وتحدد مصائر الشعوب بيد الحكام00! نعم00 أو لا000

 

        أكتب هذه الخواطر من " فرجينيا " في الولايات المتحدة الامريكية، ومن مجمع جامعة " مينونيت الشرقية " في مدينة " هريزنبرغ " أثارت في أعماقي رسالة " الباتلي"  شجون الإنسان 00 وشجون الباحث العلمي00 حررت عشرة أسئلة تجابُ بـ " نعم"  أو " لا " ومثلها بعثت إلى عشرة زملاء في العراق00 ( تذكروا00 أنه عراق المحنة00 العراق المجروح 00 عراق الألم!! ) 00 تسعة من الأمريكان أجابوا بـ " نعم" بطريقة شفافة قد نقرأ فيها الـ " لا " في حين أجاب تسعة من عشرة من العراقيين بـ"لا" على نفس الأسئلة 00 وهي في مجموعها تتحدث عن الحياة والحب00 والحرية والسلام00 والأمل والمستقبل00!!

 

لماذا00 أين العيب!00 وأين الخلل!!00 هل هو فينا نحن العرب ! أم هو في بنائنا التربوي.. وتربيتنا وطريقة تعليمنا!! إنهم هنا في فرجينيا00وفي محيط الجامعة التي أنخرط فيها بدراسة لمدة أربعة أسابيع عند السلام00 والصراع 00

لا يقولون" لا " إلا للتعليمات والضوابط الأساسية: " لا " للتدخين! " لا " للكحول00 " لا "  للعنف00 أين نحن من هذا ؟؟؟                         

لقد عشت مع الـ " لا " كثيرا000 وعاصرت هذه الكلمة كثيرا00 أجبتني مرة00 وقتلتني مرات00!! أسعدتني مرة00 وآذتني والمتني مرات!! عندما كنت في العشرينات من عمري00 وأثناء رحلة سياحية لمدينة صوفيا في أوربا الشرقية 00 تعرفت بفتاة جميلة ورقيقة00 طلبت منها موعدا فهزت رقبتها بما يشبة الـ " لا " عندنا في العراق أو أي مدينة عربية أخرى!!!تركتها وتأخذني العزة بالأثم00!! لماذا طلبت منها موعدا؟؟ 00 لماذا كلمتها00؟؟00 حتى جاء صديق عراقي فأخبرته بالقصة00! قال لي00 ويحك00 إن حركة الرقبة هذه عند أهل "صوفيا" تعني "نعم" وليس "لا". وهكذا تأرجح معنى الـ "لا" من خلال ثقافتين تنتميان لمجتمعين أحدهما في الشرق والأخر في الغرب0 ترى كم من "لا" يقولها الناس في أرجاء المعمورة ويقصدون بها نعم00 والعكس صحيح 00 أليس من مسؤولية قادتنا الكبار في الوطن العربي 00 أن يعرفوا هذه الحقائق أثناء مفاوضاتهم السياسية00 ليِجنُبُوا شعوبهم ويلات الألم  والحزن  00والحرب والنكد والدمار.

 

في أوائل العشرينات من عمري وثلاثينياتهً 00كنت أميل إلى الإكثار من اللاءات! كانت تعجبني00 بل تجذبني00!! مرة من باب العناد!00 ومرة من باب الأصرار على الحق (من وجهة نظري في حينها طبعا)00 ومرة أخرى في وجه الظلم والقهر والأستبداد! تحملت من أجل " لاءاتي"  الكثير00 سجنت00 وتشردت00 عشت فقيرا ومبعدا عن وطني من أجل كلمة واحدة فقط00 هي "لا". في حينها00 عرضت علي الأموال00 والجاه00 والمتعة  والرخاء00 كي أستبدل "لأئي" بنعم00 فلم أرضى00! لماذا لا أدري00 هل هي حماقة00 أم طفولة00 أم هي شجاعة وبطولة! ما زلت لا أعرف الحقيقة00!

       

وأن كنت قد تعرضت إلى الكثير من الحزن والحسرة والألم من أجل لآءاتي ،فقد عانى كثير من زملائي. وممن هم أشجع مني00 وأكثر صبرا مني00 إلى فقدان الروح والجسد00 إلى الفناء. وفي الطرف الآخر00 كنت أرى زملاء لي يقولون " نعم" بسخاء وإنطلاقة ومرونة، في الوقت الذي كانوا يقولون "لا" في أعماقهم00 في سرهم00 لكنهم خائفون00! فهل تقترن الـ "لا" بالخوف والرعب والرهبة، وانما، أم قد تمثل حالة من النضج والحكمة والتوازن في مواجهة الأحداث والمصاعب.

دعيت مرة على عشاء من قبل أستاذي في الطب النفسي عندما كنت أعيش في مدينة أدنبرة في المملكة المتحدة. كان شخصية فذة ومحترمة ومحبوبة. وكنت قد وصلت لتوي إلى هناك للدراسة. ذهبت إلى العنوان مساء اليوم الموعود، وكنت قد نسيت وجبة الغداء يومها لانشغالي أولا ولأطمئناني أن هناك وجبة دسمة في انتظاري دخلت البيت واستقبلني أستاذي وزوجته التي كانت تعمل أستاذة في طب الأطفال في نفس المستشفى الذي نعمل به سوية. دعاني لشرب القهوة أو الشاي، فقلت " لا" شكرا، أولا خجلا وحياءا، وهكذا تعودنا ضمن ثقافتنا الأجتماعية في العراق أن لا نقول "نعم" فورا، بل نقول "لا" أولا عندما يقدم لنا شيئا أو ندعى لوجبة طعام!! ولم أتأثر كثيرا حيث كنت بأنتظار وجبة الطعام الدسمة. وبعد نصف ساعة من الكلام والمجاملات، جاءت زوجة أستاذي لتقول لي. هل تحب أن تتناول العشاء الآن، فقلت ." لا" شكرا مع بعض الحركات في الوجه واليدين تعبيرا عن الخجل!! وبعد دقائق حصل ما لم أكن أنتظره أبدا: جلس أستاذي مع زوجته يتناولون طعام العشاء ويتكلمون معي في مواضيع شتى، ويتمنون أنني لو وافقت على تناول الوجبة معهم!! وخرجت بعد ساعة من الزمن وأنا جائع وحائرا !! جائع لأنني لم أكل شيئا منذ الصباح، وحائرا لأني لم أفهم هؤلاء الناس، إذ اعتبرت تصرفهم، فضاضة في السلوك وقلة في الاحترام 00!0 ومنذ ذلك  اليوم عرفت جيدا أن معظم الأجانب الغربيين يقصدون ما يقولون، فأذا سألت عن رغبتك في شيء ما، فقل ما تريد فعلا ولمرة واحدة: نعم، أولا. وتعلمت هذا السلوك، إذ لا أقول الآن "لا" على دعوة طعام إلا إذا كنت فعلا غير راغب بها00!!    

 

أن تجربتي في الحياة، علمتني أن هناك العديد من اللاءات تقودنا إلى النجاح عندما نستخدم الحكمة وبعد النظر والتأني والنظرة المستقبلية بعيدة الأمد. كذلك هناك الكثير من اللاءات التي تقودنا إلى الفشل00 وقد يكون هذا بسبب التسرع وقصر النظر وعدم التأني.

 

        وهذا يعني ضرورة الاهتمام بهذين الحرفين 00 لا00 كلمة يمكن أن تلعب دورا حاسما في حياة الفرد00 فقد تعجبني لاءاتي في مرحلة عمريه معينة وقد لا تعجبني نفس اللاءات في مرحلة عمريه أخرى0 0 لذلك فأن الـ "لا" ترتبط بمستوى النضج العقلي والعاطفي للفرد00 وحبذا لو استطاع كل منا أن يستنتج إحصائية لنفسه بعدد اللاءات التي أدت إلى نجاح 00 وعدد اللاءات التي آدت إلى فشل. تلك هي الطريقة الأفضل لتعديل سلوك " النعم" " واللا" وذلك من خلال التغذية الاسترجاعية Biofeedback  للنتائج المستحصلة من خلال هذا النوع من الدراسات الأستبطانية . وأخيرا أقول إذا كان قولي " لا " مع الحق والأيمان والفضيلة، فهو نجاح في الجوهر حتى وأن كان فشل في المظهر. مع المحبة لقول كلمة الحق.